فصل: الباب الثالث في القضاء على الغائب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روضة الطالبين وعمدة المفتين **


 الباب الثالث في القضاء على الغائب

هو جائز في الجملة وحكى صاحب التقريب قولا عن رواية حرملة أنه لا يجوز إلا إذا كان للدعوى اتصال بحاضر والمشهور الأول وبه قطع الأصحاب وفي الباب أطراف‏:‏ الطرف الأول في الدعوى ويشترط في الدعوى على الغائب ما يشترط فيها على الحاضر من بيان المدعى وقدره وصفته وقوله إني مطالب بالمال ولا يكفي الاقتصار على قوله لي عليك كذا ويشترط أن يكون للمدعي بينة وإلا فلا فائدة وأن يدعي جحوده فإن قال هو مقر لم تسمع بينته ولغت دعواه وإن لم يتعرض لجحوده ولا إقراره فهل تسمع بينته وجهان أصحهما نعم لأنه قد لا يعلم جحوده في غيبته ويحتاج إلى الإثبات فجعلت الغيبة كالسكوت وفي فتاوي القفال أن هذا كله فيما إذا أراد إقامة البينة على ما يدعيه ليكتب القاضي به إلى حاكم بلد الغائب فأما إذا كان للغائب مال حاضر وأراد إقامة البينة على دينه ليوفيه القاضي تسمع بينته ويوفيه سواء قال هو مقر أو جاحد وهل على القاضي لسماع الدعوى على الغائب أن ينصب مسخراً ينكر على الغائب وجهان أحدهما نعم لتكون البينة على إنكار منكر وأصحهما ما ذكره البغوي لأن الغائب قد يكون مقراً فيكون إنكار المسخر كذباً ومقتضى هذا التوجيه أن لا يجوز نصب المسخر لكن الذي ذكره أبو الحسن العبادي وغيره أن القاضي مخير إن شاء نصب وإلا فلا‏.‏

الطرف الثاني في التحليف فيحلف القاضي المدعي على الغائب بعد قيام البينة وتعديلها أنه ما أبرأه من الدين الذي يدعيه ولا من شيء منه ولا اعتاض ولا استوفى ولا أحال عليه هو ولا أخذ من جهته بل هو ثابت في ذمة المدعى عليه يلزمه أداؤه ويجوز أن يقتصر فيحلفه على ثبوت المال في ذمته ووجوب تسليمه وكذا يحلف مع البينة الوارث إذا كان المدعى عليه صبياً أو مجنوناً أو ميتاً ليس له وارث حاضر فإن كان حلف بسؤال الوارث وحكى أبو الحسين الطرسوسي من أصحابنا قولا أنه لا يحلف في الدعوى مع البينة وهو مذهب المزني والمشهور الدول لكن هذا التحليف واجب أم مستحب وجهان ويقال قولان أصحهما الوجوب ومنهم من قطع به ومن قال بالاستحباب قال لأن تدارك التحليف باق والوجوب في الميت والصبي والمجنون أولى لعجزهم عن التدارك لكن الخلاف مطرد فيهم حكاه أبو الحسن العبادي وجماعة وبنى على هذا ما لو أقام قيم طفل بينة على قيم طفل فإن أوجبنا التحليف انتظرنا حتى يبلغ المدعى له فيحلف وإن قلنا بالاستحباب قضى بها ولا يشترط في اليمين هنا التعرض لصدق الشهود بخلاف اليمين مع الشاهد لأن البينة هنا كاملة وقيل يشترط‏.‏

إذا لم يدع بنفسه بل ادعى وكيله على غائب لا يحلف بل يعطى المال إن كان المدعى عليه هناك مال ولو كان المدعى عليه حاضراً وقال للمدعي بالوكالة بعد أقام البينة عليه أبرأني موكلك الغائب وأراد التأخير إلى أن يحضر الموكل فيحلف لم يمكن منه بل عليه تسليم الحق ثم يثبت الإبراء من بعد إن كانت له حجة وكذا لو ادعى ولي الصبي ديناً للصبي فقال المدعى عليه إنه أتلف علي من جنس ما تدعيه قدر دينه لم ينفعه بل عليه أداء ما أثبته الولي فإذا بلغ الصبي حلفه ولو قال المدعى عليه في مسألة التوكيل أبرأني موكلك الغائب فاحلف أنك لا تعلم ذلك قال الشيخ أبو حامد له تحليفه على نفي العلم ومن الأصحاب من يخالفه ولا يحلف الوكيل ولك أن تقول مقتضى ما ذكره الشيخ أن يحلف القاضي وكيل المدعي على الغائب على نفي العلم بالإبراء وسائر الأسباب المسقطة نيابة عن المدعى عليه فيما يتصور منه لو حضر كما ناب عنه في تحليف من يدعي لنفسه‏.‏

فرع يجوز القضاء على الغائب بشاهد ويمين كالحاضر وهل يكفي يمين أم يشترط يمينان أحدهما لتكمل الحجة والثاني لنفي المسقطات وجهان أصحهما الثاني‏.‏

فرع تعلق برجل وقال أنت وكيل فلان الغائب ولي عليه كذا وأدعي عليك وأقيم البينة في وجهك فإن علم أنه وكيل وأراد أن لا يخاصم فليعزل نفسه وإن لم يعلم فينبغي أن يقول لا أعلم أني وكيل ولا يقول لست بوكيل فيكون مكذباً لبينة قد تقوم بالوكالة وهل للمدعي إقامة البينة على وكالة من تعلق به وجهان أحدهما نعم ليستغني عن ضم اليمين إلى البينة وليكون القضاء مجمعاً عليه وأصحهما لا لأن الوكالة حق له فكيف يقام بينة بها قبل دعواه‏.‏

الطرف الثالث في كتاب القاضي إلى القاضي فالقاضي بعد سماع الدعوى والبينة على الغائب قد يقتصر عليه وينهي الأمر إلى قاضي بلد الغائب ليحكم ويستوفي وقد يحلفه كما سبق ويحكم وعلى التقدير الثاني قد يكون للغائب مال حاضر يمكن أداء الحق منه فيؤدى وقد لا يكون كذلك فيسأل المدعي القاضي إنهاء الحكم إلى قاضي بلد الغائب فيجيبه إليه وللإنهاء طريقان أحدهما أن يشهد على حكمه عدلين يخرجان إلى ذلك البلد والأولى أن يكتب بذلك كتاباً أولا ثم يشهد وصورة الكتاب حضر فلان وادعى على فلان الغائب المقيم ببلد كذا وأقام عليه شاهدين وهما فلان وفلان وقد عدلا عندي وحلفت المدعي وحكمت له بالمال فسألني أن أكتب إليك في ذلك فأجبته وأشهدت بذلك فلاناً وفلاناً ولا يشترط تسمية الشاهدين على الحكم ولا ذكر أصل الأشهاد ولا تسمية شهود الحق بل يكفي أن يكتب شهد عندي عدول ويجوز أن لا يصفهم بالعدالة ويكون الحكم بشهادتهم تعديلا لهم ذكره في العدة ويجوز أن لا يتعرض لأصل الشهادة فيكتب حكمت بكذا بحجة أوجبت الحكم لأنه قد يحكم بشاهد ويمين وقد يحكم بعلمه إذا جوزناه وهذه حيلة يدفع بها القاضي قدح الحنفية إذا حكم بشاهد ويمين وفي فحوى كلام الأصحاب وجه ضعيف مانع من إبهام الحجة لما فيه من سد باب الطعن والقدح على الخصم‏.‏

ويستحب للقاضي أن يختم الكتاب ويدفع إلى الشاهدين نسخة غير مختومة ليطالعاها ويتذاكرا عند الحاجة وأن يذكر في الكتاب نقش خاتمه الذي يختم به وأن يثبت اسم نفسه واسم المكتوب إليه في باطن الكتاب وفي العنوان أيضاً وأما الأشهاد فإن أشهدهما أنه حكم بكذا ولا كتاب شهدا به وقبلت شهادتهما وإن أنشأ الحكم بين أيديهما فلهما أن يشهدا عليه وإن لم يشهدهما وإن كتب ثم أشهد فينبغي أن يقرأ الكتاب أو يقرأ بين يديه عليهما ثم يقول لهما اشهدا علي بما فيه أو على حكمي المبين فيه وفي الشامل أنه لو اقتصر بعد القراءة على قوله هذا كتابي إلى فلان أجزأ وحكى ابن كج وجها أنه يكفي مجرد القراءة عليهما والأحوط أن ينظر الشاهدان وقت القراءة عليهما في الكتاب فلو لم يقرأ الكتاب عليهما ولم يعلما ما فيه قال القاضي أشهدكما على أن هذا كتابي أو ما فيه خطي لم يكف ولم يكن لهما أن يشهدا على حكمه لأن الشيء قد يكتب من غير قصد بحقيقة ولو قال أشهدكما على أن ما فيه حكمي أو على أني قضيت بمضمونه فوجهان أصحهما لا يكفي حتى يفصل ما حكم به والثاني يكفي لإمكان معرفة التفصيل بالرجوع إليه ويجري الخلاف فيما لو قال المقر أشهدتك على ما في هذه القبالة وأنا عالم به لكن الأصح عند الغزالي في الإقرار أنه يكفي حتى إذا سلم القبالة إلى الشاهد وحفظها الشاهد وأمن التحريف جاز له أن يشهد على إقراره لأنه يقر على نفسه والإقرار بالمجهول صحيح وقطع الصيمري بأنه لا يكفي في الإقرار أيضاً حتى يقرأه ويحيط بما فيه قال وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله ويشبه أن يكون الخلاف في أن الشاهد هل يشهد أنه أقر بمضمون القبالة مفصلا فأما الشهادة على أنه أقر بما في هذا الكتاب مبهماً فينبغي أن يقبل بلا خلاف كسائر الأقارير المبهمة ثم سواء شهد كذا أو كذا فإنما يشهد إذا كان الكتاب محفوظاً عنده وأمن التصرف‏.‏

فرع التعويل على شهادة الشهود والمقصود من الكتاب التذكر ومن الختم الاحتياط وإكرام المكتوب إليه فلو ضاع الكتاب أو أمحى أو انكسر الختم وشهدا بمضمونه المضبوط عندهما قبلت شهادتهما وقضي بها فلو شهدا بخلاف ما في الكتاب عمل بشهادتهما ولا يكفي الكتاب المجرد وقال الاصطخري إذا وثق المكتوب إليه بالخط والختم كفى والصحيح الأول ويشترط أشهاد رجلين عدلين فلا يقبل رجل وامرأتان وقيل يقبل إن تعلقت الحكومة بمال وذكر ابن كج أنه لو كان الكتاب برؤية هلال رمضان كفى شهادة واحد على قولنا يثبت بواحد وأنه لو كتب بالزنى وجوزنا كتاب القاضي إلى قاض في العقوبات هل يثبت برجلين أم يشترط أربعة وجهان بناء على القولين في الإقرار بالزنى‏.‏

فرع إذا وصل كتاب القاضي وحامله إلى قاضي البلد الآخر أحضر الخصم فإن أقر بالمدعى استوفاه وإلا فيشهد الشاهدان أن هذا كتاب القاضي فلان وختمه حكم فيه لفلان بكذا على هذا وقرأه علينا وأشهدنا به ولو لم يقولوا أشهدنا به جاز ولا يكفي ذكرهما الكتاب والختم بل لا بد من التعرض لحكمه ثم في التهذيب و الرقم أن القاضي إنما نقض الختم بعد شهادة الشهود وتعديلهم وذكر الهروي أنه يفتح الكتاب أولا ثم يشهدون ويوافق هذا قول كثير من الأصحاب أن الشهود يقرؤون الكتاب ثم يشهدون ليقفوا على ما فيه ويعلموا أنه لم يخرق وليس هذا خلافاً في الجواز وكيف وقد عرف أن الختم من أصله لا اعتبار به فكما تقبل الشهادة على ما لا ختم عليه تقبل على المفضوض ختمه وسواء فضه القاضي أو غيره وإنما هو في الأدب والاحتياط‏.‏

يجوز أن يكتب إلى قاض معين ويجوز أن يطلق فيكتب إلى كل من يصل إليه من القضاة وإذا كان الكتاب إلى معين فشهد شاهداً الحكم عند حاكم آخر قبل شهادتهما وأمضاه وإن لم يكتب وإلى كل من يصل إليه من القضاة اعتماداً على الشهادة وكذا لو مات الكاتب وشهدا على حكمه عند المكتوب إليه أو مات المكتوب إليه وشهدا عند من قام مقامه قبل شهادتهما وأمضى الحكم والعزل والجنون والعمى والخرس كالموت ولو كتب القاضي إلى خليفته ثم مات القاضي أو عزل تعذر على الخليفة القبول والإمضاء إن قلنا ينعزل بانعزال الأصل ولو ارتد القاضي الكاتب أو فسق ثم وصل الكتاب إلى المكتوب إليه فوجهان قطع ابن القاص وصاحبا المهذب والتهذيب وآخرون بأن الكتاب إن كان بالحكم المبرم أمضي لأن الفسق الحادث لا يؤثر في الحكم السابق وإن كان بسماع الشهادة لم يقبل ولم يحكم به كما لو فسق الشاهد قبل الحكم وأطلق ابن كج أنه لا يقبل كتابه إذا فسق وهو مقتضى كلام الشيخ أبي حامد وابن الصباغ‏.‏

فرع شهود الكتاب والحكم يشترط ظهور عدالتهم عند المكتوب إليه وهل تثبت عدالتهم بتعديل الكاتب إياهم وجهان قال القفال والشاشي نعم للحاجة والأصح المنع لأنه تعديل قبل أداء الشهادة ولأنه كتعديل المدعي شهوده ولأن الكتاب إنما يثبت بقولهم فلو ثبت به عدالتهم لثبتت بقولهم والشاهد لا يزكي نفسه‏.‏

فرع ينبغي أن يثبت القاضي في الكتاب اسم المحكوم له والمحكوم عليه وكنيتهما واسم أبويهما وجديهما وحليتهما وصنعتهما وقبيلتهما ليسهل التمييز وإن كان مشهوراً ظاهر الصيت وحصل الإعلام ببعض ما ذكرنا اكتفي به وإذا أثبت الأوصاف كما ذكرنا فحمل الكتاب إلى المكتوب إليه وأحضر الحامل عنده من زعم محكوماً عليه نظر إن شهد شهود الكتاب والحكم على عينه لأن القاضي الكاتب حكم عليه طولب بالحق وإن لم يشهدوا على عينه لكن شهدوا على موصوف بالصفات المذكورة في الكتاب فأنكر المحضر أن ما في الكتاب اسمه ونسبه فالقول قوله مع يمينه وعلى المدعي البينة على أنه اسمه ونسبه فإن لم تكن بينة ونكل المحضر حلف المدعي وتوجه له الحكم ولو قال لا أحلف على أنه ليس اسمي ونسبي ولكن أحلف على أنه لا يلزمني تسليم شيء إليه فحكى الإمام والغزالي عن الصيدلاني أنه يقبل منه اليمين هكذا كما لو ادعى عليه قرض فأنكر وأراد أن يحلف على أنه لا يلزمه شيء فإنه يقبل واختارا أنه لا يقبل وفرقا بأن مجرد الدعوى ليس بحجة وهنا قامت بينة على المسمى بهذا الاسم وذلك يوجب الحق عليه إن ثبت كونه المسمى وإن قامت البينة بأنه اسمه ونسبه فقال نعم لكن لست المحكوم عليه فإن لم يوجد هناك من يشاركه في الاسم والصفات المذكورة لزمه الحكم لأن الظاهر أنه المحكوم عليه وإن وجد بأن عرفه القاضي أو قامت عليه بينة وأحضر المشارك فإن اعترف بالحق طولب به وخلص الأول وإن أنكر بعث الحاكم إلى الكاتب بما وقع من الإشكال ليحضر الشاهدين ويطلب منهما مزيد صفة يتميز بها المشهود عليه فإن ذكرا مزيداً كتب إليه ثانياً وإلا وقف الأمر حتى تنكشف ولو أقام المحضر بينة على موصوف بتلك الصفات كان هناك وقد مات فإن مات بعد الحكم فقد وقع الإشكال وإن مات قبله فإن لم يعاصره المحكوم له فلا إشكال وإن عاصره حصل الإشكال على الأصح هذا كله إذا أثبت القاضي اسم المحكوم عليه ونسبه وصفته كما سبق أما إذا اقتصر على قوله حكمت على محمد بن أحمد مثلا فالحكم باطل لأن المحكوم عليه مبهم ولم يتعين بإشارة ولا وصف كامل بخلاف ما إذا استقصى الوصف فظهر اشتراك على الندور حتى لو اعترف رجل في بلد المكتوب إليه بأنه محمد بن أحمد وأنه المعني بالكتاب لم يلزمه ذلك الحكم لبطلانه في نفسه إلا أن يقر بالحق فيؤاخذ به هذا هو الصحيح وهو الذي نقله الإمام والغزالي وغيرهما وذكر ابن القاص وأبو علي الطبري أنه إذا ورد الكتاب أحضر القاضي المكتوب عليه وقرأ عليه الكتاب فإن أقر أنه المكتوب عليه أخذه به سواء كان رفع نسبه وذكر صفته أم لا ولا شك أنه لو شهد الشهود كما ينبغي إلا أنه أبهم في الكتاب اسم المكتوب عليه يقبل الشهادة ويعمل بمقتضاها لما سبق أن الاعتبار بقول الشهود لا بالكتاب‏.‏

 فصل سبق أن لإنهاء حكم القاضي إلى قاض آخر طريقين

أحدهما المكاتبة وسبق‏.‏

والطريق الثاني المشافهة وتتصور من أوجه‏.‏

أحدها أن يجتمع القاضي الذي حكم وقاضي بلد الغائب في غير البلدين ويخبره بحكمه‏.‏

والثاني أن ينتقل الذي حكم إلى بلد الغائب ويخبره ففي الحالين لا يقبل قوله ولا يمضي حكمه لأن إخباره في غير موضع ولايته كإخبار القاضي بعد العزل‏.‏

والثالث أن يحضر قاضي بلد الغائب في بلد الذي حكم فيخبره فإذا عاد إلى محل ولايته فهل يمضيه إن قلنا يقضي بعلمه فنعم وإلا فلا على الأصح كما لو قال ذلك القاضي سمعت البينة على فلان بكذا فإنه لا يترتب الحكم عليه إذا عاد إلى محل ولايته‏.‏

والرابع أن يكونا في محل ولايتهما بأن وقف كل واحد في طرف محل ولايته وقال الحاكم حكمت بكذا فيجب على الآخر إمضاؤه لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب وكذا لو كان في البلد قاضيان وجوزناه فقال أحدهما للآخر حكمت بكذا فإنه يمضيه وكذا إذا قاله القاضي لنائبه في البلد وبالعكس‏.‏

ولو خرج القاضي إلى قرية له فيها نائب فأخبر أحدهما الآخر بحكمه أمضاه الآخر لأن القرية محل ولايتهما ولو دخل النائب البلد فقال للقاضي حكمت بكذا لم يقبله ولو قال له القاضي حكمت بكذا في إمضائه إياه إذا عاد إلى قريته الخلاف في القضاء بالعلم‏.‏

فرع إذا حكم القاضي بحق وشافه به والياً غير قاض ليستوفيه فله أن يستوفي في محل ولاية القاضي وكذا خارجه على الصحيح‏.‏

ولو كاتب القاضي والياً غير قاض فإن كان صالحاً للقضاء وقد فوض إليه الإمام نظر القضاة وتولية من يراه جازت مكاتبته كما تجوز مكاتبة الإمام الأعظم نص عليه في المختصر وإن لم يكن صالحاً أو كان ولم يفوض إليه نظر القضاة لم تجز مكاتبته لأن سماع البينة يختص بالقضاة‏.‏

 فصل ذكرنا في أول الطرف أن القاضي بعد سماع البينة قد يحكم

وينهيه إلى حاكم آخر وقد يقتصر على السماع وينهيه وفرغنا من القسم الأول وأما الثاني فنقدم عليه مقدمة فيما يمتاز به أحد القسمين على الثاني وفي فروع تتعلق بالحكم‏.‏

أعلم أن صيغ الحكم في قوله حكمت على فلان لفلان بكذا وألزمته لما سبق في الأدب الخامس من الباب الثاني فلو قال ثبت عندي كذا بالبينة العادلة أو صح فهل هو حكم فيه وجهان أحدهما نعم لأنه إخبار عن تحقيق الشيء جزماً وأصحهما لا لأنه قد يراد به قبول الشهادة واقتضاء البينة صحة الدعوى فصار كقوله سمعت البينة وقبلتها ولأن الحكم هو الإلزام والثبوت ليس بإلزام وأما ما يكتب على ظهور الكتب الحكمية وهو صح ورود هذا الكتاب علي فقبلته قبول مثله وألزمت العمل بموجبه فليس بحكم لاحتمال أن المراد تصحيح الكتاب وإثبات الحجة ولا يجوز الحكم على المدعى عليه إلا بعد سؤال المدعي على الأصح وهل يصح أن يلزم القاضي الميت بموجب إقراره في حياته وجهان ويشترط تعيين ما يحكم به ومن يحكم له لكن قد يبتلى القاضي بظالم يريد ما لا يجوز ويحتاج إلى ملاينته فرخص له دفعه بما يوهم أنه أسعفه بمراده مثاله أقام خارج بينة وداخل بينة والقاضي يعلم فسق بينة الداخل ولكنه يحتاج إلى ملاينته وطلب الحكم بناء على ترجيح بينة الداخل فيكتب حكمت بما هو مقتضى الشرع في معارضة بينة فلان الداخل وفلان الخارج وقررت المحكوم به في يد المحكوم له وسلطته عليه ومكنته من التصرف ليه إذا ثبتت هذه المقدمة فإذا لم يحكم القاضي وأنهى ما جرى من الدعوى والبينة بالكتاب سمي بذلك كتاب نقل الشهادة وكتاب التثبيت أي تثبيت الحجة وينص على الحجة فيذكر أنه قامت عنده بينة أو شاهد ويمين أو نكل المدعى عليه وحلف المدعي وإنما ينص على الحجة ليعرف المكتوب إليه تلك الحجة فقد لا يرى بعض ذلك الحجة وهل يجوز أن يكتب بعلم نفسه ليقضي به المكتوب إليه قال في العدة لا يجوز وإن جوزنا القضاء بالعلم لأنه ما لم يحكم به هو كالشاهد والشهادة لا تتأدى بالكتابة وفي أمالي السرخسي جوازه ويقضي به المكتوب إليه إذا جوزنا القضاء بالعلم وإذا كتب بسماع البينة فليسم الشاهدين والأولى أن يبحث عن حالهما ويعدلهما لأن أهل بلدهما أعرف بهما فإن لم يفعل فعلى المكتوب إليه البحث والتعديل إذا عدل فهل يجوز أن يترك اسم الشاهدين قال الإمام والغزالي لا والقياس الجواز كما أنه إذا حكم استغنى عن تسمية الشهود وهذا هو المفهوم من كلام البغوي وغيره وهل يأخذ المكتوب إليه بتعديل الكتاب أم له البحث وإعادة التعديل لفظ الغزالي يقتضي الثاني والقياس الأول‏.‏

قلت هذا الذي جعله القياس هو الصواب والله أعلم‏.‏

ولا حاجة في هذا القسم إلى تحليف المدعي والقول في أشهاد القاضي وفي أداء الشهود الشهادة عند المكتوب إليه وفي دعوى الخصم إن كان هناك من يشاركه في الاسم على ما سبق في القسم الأول وإذا عدل الكاتب شهود الحق فجاء الخصم ببينته على جرحهم سمعت ويقدم على التعديل وإن استمهل البينة الجرح أمهل ثلاثة أيام هكذا ذكره الأصحاب على طبقاتهم وكذا لو قال أبرأتني أو قضيت الحق واستمهل ليقيم البينة عليه ولو قال أمهلوني حتى أذهب إلى بلدهم وأجرحهم فإني لا أتمكن من جرحهم إلا هناك أو قال لي بينة أخرى هناك دافعة لم يمهل بل يؤخذ الحق منه فإذا أثبت جرحاً أو دفعاً استرد وسواء في ذلك كتاب الحكم وكتاب نقل الشهادة وفي العدة أنه لو سأله المحكوم عليه أحلاف الخصم أنه لا عداوة بينه وبينهم وقد حضر الخصم عند المكتوب إليه أجابه إليه ولو سأل أحلافه على عدالتهم لم يجبه وكفى تعديل الحاكم إياهم وأنه لو ادعى قضاء الدين وسأل أحلافه أنه لم يستوفه لم يحلف لأن الكاتب أحلفه وذكر البغوي في مثله في دعوى الإبراء أنه يحلفه أنه لم يبرئه فحصل وجهان‏.‏

فرع في مشافهة القاضي قاضياً بسماع البينة فإذا نادى قاض من طرف ولايته قاضياً من طرف ولايته إني سمعت البينة بكذا أو جوزنا قاضيين في بلد فقال ذلك قاض لقاض هل للمقول له الحكم بذلك قال الإمام والغزالي يبنى ذلك على أن سماع البينة وإنهاء الحال إلى قاض آخر هل هو نقل كشهادة الشهود كنقل الفروع شهادة الأصول أم حكم بقيام البينة وفيه وجهان فعلى الأول لا يجوز كما لا يحكم بالفرع مع حضور الأصل وعلى الثاني يجوز كما في الحكم المبرم وهذا أرجح عند الإمام والغزالي والصحيح الأول وبه قال عامة الأصحاب وقالوا أيضاً كتاب السماع إنما يقبل إذا كانت المسافة بين الكاتب وبين الذي بلغه الكتاب بحيث يقبل في مثلها الشهادة على الشهادة وهذا نصه في عيون المسائل ولو قال الحاكم لخليفته اسمع دعوى فلان وبينته ولا تحكم به حتى تعرفني ففعل هل للحاكم أن يحكم به القياس أنه كإنهاء أحد القاضيين في البلد إلى الآخر لإمكان حضور الشهود عنده لكن الأشبه هنا الجواز وبه أجاب أبو العباس الروياني مع توقف فيه‏.‏

الطرف الرابع في الحكم بالشيء الغائب على غائب الغيبة والحضور إنما تتعاقبان الأعيان فأما إذا كانت دعوى نكاح أو طلاق أو رجعة أو إثبات وكالة فلا يوصف المدعي بغيبة ولا حضور وكذا إذا كان المدعى ديناً ومتى ادعى عيناً فإن كانت حاضرة مشاراً إليها سلمت إلى المدعي إذا تمت حجته وإن كانت غائبة فلها حالان الأولى أن تكون غائبة عن البلد فهي إما عين يؤمن فيها الاشتباه والاختلاط كالعقار وعبد وفرس معروفين وإما غيرها والقسم الأول يسمع القاضي البينة عليه ويحكم ويكتب إلى قاضي بلد ذلك المال ليسلمه إلى المدعي ويعتمد في العقار على ذكر البقعة والسكة والحدود وينبغي أن يتعرض لحدوده الأربعة ولا يجوز الاقتصار على حدين أو ثلاثة ولا يجب التعرض للقيمة على الأصح لحصول التمييز دونه وأما القسم الثاني كغير المعروف من المعروف من العبيد والدواب وغيرها فهل يسمع البينة على عينها وهي غائبة قولان أحدهما نعم كما يسمع على الخصم الغائب اعتماداً على الحلية والصفة ولأنه يحتاج إليه كالعقار والثاني لا لكثرة الاشتباه وبهذا قال المزني ورجحه طائفة منهم أبو الفرج الزاز والأول اختيار الكرابيسي والاصطخري وابن القاص وأبي علي الطبري وبه أفتى القفال فإذا قلنا به فهل يحكم للمدعي بما قامت به البينة قولان أحدهما نعم كالعقار وأظهرهما لا لأن الحكم مع خطر الاشتباه والجهالة بعيد والحاصل ثلاثة أقوال أظهرها تسمع البينة فينبغي أن يبالغ البينة ولا يحكم والثاني لا يسمع ولا يحكم والثالث يسمع ويحكم هذه طريقة الجمهور وطردوها في جميع المنقولات التي لا تعرف وقال الإمام والغزالي ما لا يؤمن فيه الاشتباه ضربان ما يمكن تمييزه بالصفات والحلي كالحيوان وما لا يمكن لكثرة أمثاله كالكرباس فالأول على الأقوال الثلاثة وقطعاً في الكرباس ونحوه بأنه لا ترتبط الدعوى والحكم بالعين فإن قلنا يسمع البينة فينبغي أن يبالغ المدعي في الوصف بما يمكن الاستقصاء والتعرض للثبات وبماذا يضبط بعد ذكر الجنس والنوع قولان حكاهما الهروي وغيره أحدهما لتعرض الأوصاف المعتبرة في السلم والثاني يتعرض للقيمة وتكفي عن ذلك الصفات قالوا والأظهر أن الركن في تعريف ذوات الأمثال ذكر الصفات وذكر القيمة مستحب في ذوات القيم الركن القيمة وذكر الصفات مستحب ثم يكتب القاضي إلى قاضي بلد المال بما جرى عنده من مجرد قيام البينة أو مع الحكم إن جوزنا الحكم المبرم فإن أظهر الخصم هناك عبداً آخر بالاسم والصفات المذكورة في يده أو في يد غيره فقد صار القضاء مبهماً وانقطعت المطالبة في الحال كما سبق في المحكوم عليه وإن لم يأت بدافع فإن كان الكتاب كتاب حكم وجوزناه حلف المدعي أن هذا المال هو الذي شهد به شهوده عند القاضي فلان وتسلم إليه ذكره ابن القاص في كتاب آداب القضاء وإن كان كتاب سماع البينة انتزع المكتوب إليه المال وبعثه إلى الكاتب ليشهد الشهود على عينه وفي طريقه قولان أظهرهما وأشهرهما وبه قطع ابن الصباغ وغيره يسلم إلى المدعي ويؤخذ منه كفيل ببدنه وقال أبو الحسن العبادي يكفله قيمة المال فإن ذهب إلى القاضي الكاتب وشهد الشهود على عينه وسلم له كتب القاضي بذلك إبراء الكفيل وإلا فعلى المدعي الرد ومؤنته ويختم العين عند تسليمها إليه بختم لازم فإن كان عبداً جعل في عنقه القلادة ويختم عليها والمقصود من الختم أن لا يبدل المأخوذ بما لا يستريب الشهود في أنه له وأخذ الكفيل واجب والختم مستحب وعلى هذا القول لو كان للمدعي جارية فثلاثة أوجه أحدها أنها كالعبد والثاني لا تبعث أصلا والثالث تسلم إلى أمين في الرفقة لا إلى المدعي وهذا حسن‏.‏

قلت هذا الثالث هو الصحيح أو الصواب والله أعلم‏.‏

ثم المفهوم من كلام الجمهور أن الشهود إذا شهدوا على عينه عند الكاتب سلمه إلى المدعي وقد تم الحكم له ثم يكتب إبراء الكفيل على ما ذكرنا وفي الفروق للشيخ أبي محمد أنه يختم على رقبته ختماً ثانياً ويكتب بأني حكمت به لفلان ويسلمه إلى المكتوب له ليرده إلى القاضي الثاني فيقرأ الكتاب ويطلق الكفيل ويسلم العبد إلى المدعي والقول الثاني أن القاضي بعد الانتزاع يبيعه للمدعي ويقبض منه الثمن ويضعه عند عدل أو يكفله بالثمن فإن سلم للمدعي بشهادة الشهود على عينه عند القاضي الكاتب كتب برد الثمن أو براءة الكفيل وبان بطلان البيع وإلا فالبيع صحيح ويسلم الثمن إلى المدعى عليه وهذا بيع يتولاه القاضي للمصلحة كما يبيع الضوال وحكى الفوراني بدل هذا القول أنه يسلم إليه المال ويأخذ القيم ويدفعها إلى المدعى عليه للحيلولة بينه وبين ما يزعمه ملكاً له ثم يسترد هذه القيمة سواء ثبت المال للمدعي أم لا‏.‏

الحالة الثانية أن تكون العين المدعاة غائبة عن مجلس الحكم دون البلد فإن كان الخصم حاضراً أمر بإحضاره لتقوم البينة على عينها ولا تسمع الشهادة على صفتها هذا هو الجواب في فتاوى القفال ويشبه أن يجيء فيه وجه فيما إذا كان المدعى عليه في البلد هل تسمع الشهادة عليه مع غيبته عن المجلس ثم إنما يؤمر بإحضار ما يمكن إحضاره بتيسر فأما ما لا يمكن كالعقار فيحده المدعي ويقيم البينة عليه بتلك الحدود فإن قال الشهود نعرف العقار بعينه ولا نعرف الحدود بعث القاضي من يسمع البينة على عينه أو حضر بنفسه فإن كان المشار إليه بالحدود المذكورة في الدعوى حكم وإلا فلا ولو كان العقار مشهوراً لا يشتبه فلا حاجة للتحديد وأما ما يعسر إحضاره كشيء ثقيل وما أثبت في الأرض أو ركب في الجدار وأورث قلعة ضرراً فيصفه المدعي ويحضر القاضي عنده أو يبعث من يسمع الشهادة على عينه وإن لم يمكن وصفه حضر القاضي عنده أو بعث من يسمع الدعوى على عينه وذكر الغزالي أن العبد المدعى لو كان يعرفه القاضي حكم به دون الإحضار وجعل هذه الصورة كالمستثناة عن صورة وجوب الإحضار وهذا الذي قاله إن أراد به العبد المعروف بين الناس فهو صحيح كما ذكرنا في العقار المعروف والعبد المشهور الغائب عن البلد فأما إن اختص القاضي بمعرفته فإن كان عالماً بصدق المدعي وحكم بعلمه تفريعاً على جوازه فهو قريب أيضاً وإن حكم بالبينة فالبينة تقوم على الصفة فإذا لم يسمع البينة بالصفة وجب أن يمتنع الحكم ومتى أوجبنا الإحضار فذلك إذا اعترف المدعى عليه باشتمال يده على مثل تلك العين وإن أنكر اشتمال يده على غير تلك الصفة صدق بيمينه فإن حلف كان للمدعي أن يدعي عليه القيمة لاحتمال أنها هلكت ذكره البغوي وغيره وإن نكل وحلف المدعى أو أقام بينة حين أنكر كلف إحضارها وحبس ولا يطلق إلا بالإحضار أو بأن يدعي التلف فتؤخذ منه القيمة وتقبل منه دعوى التلف وإن كانت خلاف قوله الأول للضرورة وقيل لا يطلق إلا بإحضار أو بينة التلف فإن لم يدر المدعي أن العين باقية ليطالب بها أو تالفة ليطالب بقيمتها فادعى على التردد وقال غصب مني كذا فإن كان باقياً فعليه رده وإن كان تالفا فقيمته فوجهان أحدهما لا يسمع دعواه لعدم الجزم بل يدعي العين ويحلف عليها ثم ينشئ دعوى القيمة ويحلف عليها وأصحهما وعليه عمل القضاء يسمع للحاجة فيه وعلى هذا يحلف أنه لا يلزمه رد العين ولا قيمتها ويجري الوجهان فيما لو سلم ثوباً إلى دلال ليبيعه فطالبه به فجحد فلم يدر صاحب الثوب أباعه فيطالبه بالثمن أم تلف فيطالبه بالقيمة أم هو باق ليطالبه بالعين فعلى الأول يدعي العين في دعوى والقيمة في أخرى والثمن في أخرى وعلى الثاني يدعي أن عليه رد الثوب أو ثمنه أو قيمته ويحلف الخصم يميناً واحدة أنه لا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته ولو شهدوا أنه غصب منه عبداً بصفة كذا فمات العبد استحق بتلك الشهادة قيمته على تلك الصفة وجميع ما ذكرنا فيما إذا كان الخصم حاضرا فإن كان غائباً والمال في البلد كما وصفنا أحضر مجلس الحكم أيضاً وأخذ ممن في يده ليشهد الشهود على عينه‏.‏

لو كان الخصم حاضراً والمدعي ببلدة أخرى فقياس ما سبق أنا إن قلنا تسمع البينة بالمال الغائب ويحكم به فالقاضي يحكم عليه وإن لم نجوز إلا السماع فإذا سمع البينة أمر بنقل المدعي إلى مجلسه كما يفعله القاضي المكتوب إليه عند غيبة الخصم‏.‏

فرع ذكرنا أن المدعي إن كان في البلد كلف المدعى عليه إحضاره وإن كان غائباً يبعثه القاضي المكتوب إليه على يد المدعى ولا يكلف المدعى عليه الإحضار للمشقة كما يكلف الحضور هناك ولا يكلفه هنا قال البغوي فحيث أمر المدعي هنا بالإحضار فمؤنة الإحضار عليه إن ثبت أنه للمدعي وإلا فعلى المدعى مؤنة الإحضار والرد جميعاً وحيث يبعثه القاضي المكتوب إليه إلى بلد الكاتب إن لم يثبت أنه للمدعي فعليه رده إلى موضع بمؤناته وتستقر عليه مؤنة الإحضار إن تحملها من عنده وإن ثبت أنه للمدعي فقياس ما ذكره البغوي أنه يرجع بمؤنة الإحضار على المدعي عليه وفي أمالي السرخسي أن القاضي ينفق على النقل من بيت المال فإن لم يكن في بيت المال شيء اقترض فإن ثبت المال للمدعى عليه لزمه رد القرض بظهور تعديه وإلا كلف المدعي رده لظهور تعنته ثم قال العراقيون والبغوي وغيرهم إذا نقل المدعي المال إلى بلد القاضي الكاتب ولم يثبت كونه له لزم المدعي مع مؤنة الرد أجرة المثل لمدة الحيلولة ولم يتعرضوا لذلك في مدة تعطل المنفعة وإذا أحضره المدعى عليه وهو في البلد فاقتضى سكوتهم المسامحة وقد صرح بهذا الاقتضاء الغزالي والفرق بين الحالين زيادة الضرر هناك‏.‏

الطرف الخامس في المحكوم عليه والأصل أن لا يسمع القاضي البينة ولا يحكم إلا بحضرة المدعى عليه لكن هذا الأصل قد يترك لأسباب وتفصيلها أن يقال إذا لم يكن الخصم في مجلس القاضي فإما أن يكون في الخلد وإما لا فإن كان نظر إن كان ظاهراً يتأتى إحضاره فهل يجوز سماع البينة عليه والحكم من غير حضوره أم لا أم يجوز سماعها دون الحكم فيه أوجه الصحيح المنع منهما وأجري الخلاف في الحاضر في مجلس الحكم هل يسمع البينة عليه ويحكم بغير سؤاله ومراجعته والمنع هنا أظهر وأولى وإن تعذر إحضاره بتواريه أو بعذره جاز سماع الدعوى والبينة والحكم عليه على الصحيح ومنعه القاضي حسين فإن قلنا بالصحيح فهل يحلف المدعي كما يحلف المدعي على غائب وجهان وقطع صاحب العدة بأنه لا يحلف لأن الخصم قادر على الحضور وإن لم يكن في البلد فإن غاب إلى مسافة بعيدة جاز الحكم عليه وإن كانت قريبة فهو كالحاضر وفي ضبط البعيدة وجهان أحدهما تقصر فيه الصلاة والقريبة دونها وأصحهما أن القريبة ما يمكن المبكر الرجوع منها إلى مسكنه ليلا فإن زادت فبعيدة ولو كان للمتمرد وكيل نصبه بنفسه فهل يتوقف التحليف على طلبه جوابان لأبي العباس الروياني لأن الاحتياط والحالة هذه من وظيفة الوكيل وكذا لو كان للغائب وكيل‏.‏

 فصل من أتى القاضي مستعدياً على خصم ليحضره فلخصمه حالان

الأولى أن يكون بالبلد وظاهراً يمكن إحضاره فيجب إحضاره وقال ابن سريج يحضر ذوي المروءات في داره لا في مجلسه والصحيح أنه لا فرق ثم الإحضار قد يكون بختم من طين رطب أو غيره يدفعه إلى المدعي ليعرضه على الخصم وليكن مكتوباً عليه أجب القاضي فلاناً وقد يكون بشخص من الأعوان المرتبين على باب القاضي وتكون مؤنته على الطالب إن لم يكن لهم رزق من بيت المال وإن بعث الختم فلم يجب بعث إليه العون وإن ثبت عند القاضي امتناعه بلا عذر أو ثبت سواد به بكسر الختم ونحوه استعان على إحضاره بأعوان السلطان فإذا حضر عزره بما يراه وتكون مؤنة المحضر والحالة هذه على المطلوب لامتناعه وقيل على المدعي والصحيح الأول فإن اختفى بعث من ينادي على باب داره أنه إن لم يحضر إلى ثلاث سمر باب داره أو ختم عليه فإن لم يحضر بعد الثلاث وسأل المدعي التسمير أو الختم أجابه إليه وينبغي أن يتقرر عنده أن الدار داره وإذا عرف له موضع قال ابن القاص يبعث القاضي جماعة من النسوة والصبيان والخصيان يهجمون عليه على هذا الترتيب ويفتشون ومتى كان للمطلوب عذر مانع من الحضور لم يكلف بل يبعث إليه من يحكم بينه وبين خصمه أو يأمره بنصب وكيل ليخاصم عنه فإن وجب تحليفه بعث إليه من يحلفه والعذر كالمرض أو حبس ظالم أو الخوف منه وفي المرأة المخدرة خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى‏.‏

الحالة الثانية أن يكون خارج البلد فينظر إن كان خارجاً عن محل ولاية القاضي لم يكن له أن يحضره وإن كان فيها فإن كان له في ذلك الموضع نائب لم يحضره بل يسمع البينة ويكتب إليه هذا هو الصحيح وقيل يلزم إحضاره إذا طلب الخصم وقيل يتخير بين الأمرين ذكره السرخسي في الأمالي وإن لم يكن هناك فثلاثة أوجه أحدهما وبه قطع العراقيون يحضره قربت المسافة أم بعدت لكن له أن يبعث إلى بلد المطلوب من يحكم بينه وبين المستعدي والثاني إن كان دون مسافة القصر أحضره وإلا فلا والثالث إن كان على مسافة العدوى أحضره وإلا فلا وهذا أصح عند الإمام وإذا قلنا لا يحضره إذا كان هناك حاكم فكذا لا يحضره إذا كان هناك من يتوسط ويصلح بينهما بل يكتب إليه أن يتوسط ويصلح فإن تعذر فحينئذ يحضره وحيث قلنا يحضر الخارج عن البلد فذكر الإمام والغزالي وصاحب العدة أنه إنما يحضره إذا أقام المدعي بينة على ما يدعيه فقد لا يكون له حجة فيتضرر الخصم بالإحضار لكن قد لا يكون له حجة ويقصد تحليفه لعله ينزجر فيقر ولم يتعرض الجمهور لما ذكره لكن قالوا يبحث القاضي عن جهة دعواه فقد يريد مطالبته بما لا يعتقده كذمي أراد مطالبة مسلم بضمان خمر بخلاف الحاضر في البلد لا يحتاج إلى البحث في إحضاره لأنه ليس في الحضور عليه مشقة شديدة ولا مؤنة‏.‏

فرع لو استعدى على امرأة خارجة عن البلد هل يحضرها وهل يشترط أمن الطريق ونسوة ثقات وهل على القاضي أن يبعث إليها محرماً لها لتحضر معه قال أبو العباس الروياني في كل ذلك وجهان الأصح أن يبعث إليها محرماً أو نسوة ثقات‏.‏

فصل إذا ثبت على غائب دين وله مال حاضر فعلى القاضي توفيته منه إذا طالب المدعي وإذا وفى هل يطالب المدعي بكفيل وجهان أحدهما نعم فقد يكون للغائب دافع وأصحهما لا لأن الحكم فصل ذكرنا أن القضاء على الغائب جائز وذلك في غير العقوبات وفي العقوبات ثلاثة أقوال المشهور ثالثها إن كانت لآدمي كقصاص وحد قذف جاز وإن كانت حداً لله تعالى كالزنا والشرب وقطع الطريق فلا فإن جوزنا كتب إلى قاضي بلد المشهود عليه ليأخذه بالعقوبة ثم لا فرق بين كتاب الحكم وكتاب النقل عند الجمهور وقال الفوراني الخلاف في كتاب النقل فأما كتاب الحكم فيقبل قطعاً في العقوبتين‏.‏

 فصل إذا سمع القاضي بينة فعزل ثم ولي ثانياً

لم يحكم بالسماع الأول لبطلانه بالعزل بل تجب الاستعادة ولو خرج عن محل ولايته ثم عاد فله الحكم بالسماع الأول على الصحيح لبقاء ولايته ولو سمع الشهادة على غائب فقدم قبل الحكم لم تجب الاستعادة لكن يخير ويمكن من الجرح وإن قدم بعد الحكم فهو على حجته في إقامة البينة بالأداء والإبراء وجرح الشهود لكن يشترط أن يؤرخ الجارح فسقه بيوم الشهادة لأنه إذا أطلق احتمل حدوثه بعد الحكم وبلوغ الصبي بعد سماع البينة عليه أو بعد الحكم كقدوم الغائب‏.‏

المرأة المخدرة هل تكلف حضور مجلس الحكم وجهان أحدهما نعم قاله القفال كغيرها فعلى هذا لو حضر القاضي غدارها ليحكم بينها وبين خصمها أو بعث نائباً كان للخصم أن يمتنع من دخول دارها ويطلب إخراجها وأصحهما لا كالمريض وسبيل القاضي في حقها كما سبق في المريض فعلى هذا قال ابن الصباغ إذا حضر دارها نائب القاضي تكلمت من وراء الستر إن اعترف الخصم أنها خصمه أو شهد اثنان من محارمها أنها هي التي ادعى عليها وإلا تلففت بملحفة وخرجت من الستر ثم من لا تخرج أصلا إلا لضرورة فهي مخدرة ومن لا تخرج إلا نادراً لعزاء أو زيارة أو حمام مخدرة أيضاً على الأصح ويكفي أن لا تصير متبذلة بكثرة الخروج للحاجات المتكررة كشراء الخبز والقطن وبيع الغزل ونحوها ثم إنما يتحتم حضور المخدرة على الوجه الأول للتحليف وأما ما عداه فيقنع فيه بالتوكيل من المخدرة وغيرها‏.‏

 فصل القاضي يزوج من لا ولي لها

إذا كانت في محل ولايته مستوطنة محل ولايته أم غيرها ولا يزوج خارجة عن محل ولايته وإن رضيت ولا يكفي حضور الخاطب لأن الولاية عليها لا تتعلق بذلك بخلاف ما لو حكم بحاضر على غائب لأن المدعي حاضر والحكم يتعلق به بخلاف ما لو كان ليتيم غائب عن محل ولايته مال حاضر فإنه يتصرف فيه لأن الولاية عليه ترتبط بماله ثم تصرفه في مال اليتيم الغائب يكون بالحفظ والتعهد وإذا أشرف على الهلاك أتى بما يقتضيه الحال بشرط الغبطة اللائقة وهكذا يفعل في مال كل غائب أشرف على الهلاك فإن كان حيواناً وخيف هلاكه باعه وإن حصلت الصيانة بالإجارة اقتصر عليها وهل له أن يتصرف في مال اليتيم الغائب للاستنماء وأن ينصب قيماً كذلك وأن يتصرف للتجارة وطلب الفائدة كتصرفه في أموال الحاضرين وجهان لأن نصب القيم يرتبط بالمال والمالك جميعاً فلو جاز النصب بحضور المال جاز لقاضي بلد اليتيم بحضور المالك وحينئذ يتمانع تصرفاهما قال الغزالي والأولى أن يلاحظ مكان اليتيم دون المال وله نصب القيم للحفظ والصيانة بلا خلاف وللقاضي إقراض مال الغائب ليحفظه بحفظه في الذمة وذكره صاحب التلخيص وهو موافق لما سبق في الحجر في إقراض مال الصبي وأما ما لا يتعين له مالك وحصل اليأس من معرفته فذكر بعضهم أن له أن يبيعه ويصرف ثمنه إلى المصالح وأن له حفظه‏.‏

قلت هذا المحكي عن بعضهم متعين وقد قاله جماعة ولا نعرف خلافه والله أعلم‏.‏

 فصل في مسائل منثورة

كتاب قاضي البغاة مقبول على المشهور وعن القديم منعه أطلق بعضهم أنه لا يجوز للقاضي أن يكتب كتاباً في غير محل ولايته والذي يستمر على أصل الشافعي رحمه الله ما ذكره ابن القاص أنه لا يحكم ولا يشهر في غير محل ولايته وأما الكتاب فلا بأس به ولو حكم القاضي ببينة أقامها وكيل رجل في وجه وكيل آخر فحضر المدعى عليه وقال كنت عزلت وكيلي قبل قيام البينة لم ينفعه لأن القضاء على الغائب جائز ولو حضر المدعي وقال كنت عزلت وكيلي وقلنا بانعزال الوكيل قبل بلوغ الخبر لم يصح الحكم لأن القضاء للغائب باطل وإذا أراد شهود كتاب حكمي التخلف في الطريق في موضع فيه قاض وشهود فصاحب الكتاب إما أن يشهد على كل واحد منهم شاهدين يحضران معه ويشهدان عند القاضي الذي يقصده وإما أن يعرض الكتاب على قاضي البلد الذي يتخلفون فيه ليشهدوا عنده به فيضمنه ويكتب به إلى القاضي الذي يقصده وإن كان التخلف حيث لا قاض ولا شهود قال البغوي ليس لهم ذلك بل عليهم الخروج إلى موضع فيه قاض وشهود فإن طلبوا أجرة الخروج إليه فليس لهم إلا نفقتهم وكذا دوابهم بخلاف ما لو طلبوا أكثر من ذلك عند ابتداء الخروج من بلد القاضي الكاتب حيث لا يكلفون الخروج والقناعة به لأن هناك يتمكن من أشهاد غيرهم وإذا ألزم المكتوب إليه الخصم بالحق فطلب أن يكتب له كتاباً بقبضه فهل على القاضي إجابته وجهان قال الاصطخري نعم لئلا يطالب مرة أخرى وقال الجمهور لا لأن الحاكم إنما يطالب بإلزام ما حكم به وثبت عنده ويكفي للاحتياط أشهاد المدعي على قبضه الحق ولو طالبه بتسليم الكتاب الذي ثبت الحق به لم يلزمه دفعه إليه وكذا من له كتاب بدين واستوفاه أو بعقار فباعه لا يلزمه دفعه إلى المستوفى منه وإلى المشتري لأنه ملكه ولأنه قد يظهر استحقاق فيحتاج إليه وبالله التوفيق‏.‏

كتاب القِسمة قد يتولاها الشركاء بأنفسهم أو منصوب للقاضي أو لهم ويشترط في منصوب القاضي الحرية والعدالة والتكليف والذكورة والعلم بالمساحة والحساب وهل يشترط معرفته للتقويم وجهان لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه ولا يشترط في منصوب الشركاء العدالة والحرية لأنه وكيل لهم كذا أطلقوه وينبغي أن يكون في توكيل العبد في القسمة الخلاف في توكيله في البيع ولو حكم الشركاء رجلا ليقسم بينهم فهو على القولين في التحكيم فإن جوزناه فهو كمنصوب القاضي فإن كان في سهم المصالح مال يتفرع لمؤنة القاسمين لزم الإمام أن ينصب في كل بلد قاسماً فإن لم تحصل الكفاية بواحد زاد بحسب الحاجة وإلا فلان يعين قاسماً لئلا يغالي في الأجرة ولئلا يواطئه بعضهم فيحيف بل يدع الناس ليستأجروا من شاءوا وإذا لم تكن في القسمة تقويم كفى قاسم على المذهب وقيل قولان ثانيهما يشترط اثنان وإن كان تقويم اشترط اثنان وللإمام أن ينصب قاسماً لجعله حاكماً في التقويم ويعتمد في التقويم عدلين وهل للقاضي أن يحكم بمعرفته في التقويم قولان كقضائه بعلمه وقيل لا يجوز قطعاً لأنه تخمين مجرد ولو فوض الشركاء القسمة إلى واحد بالتراضي جاز قطعاً‏.‏

فرع القاسم المنصوب من جهة الإمام يدر رزقه من بيت المال على الصحيح وبه قطع الجمهور وقال أبو إسحاق لا يدر وهذا ضعيف وإذا لم يكف مؤنته من بيت المال فأجرته على الشركاء سواء طلب جميعهم القسمة أم بعضهم وقال ابن القطان وغيره على الطالب وحده والصحيح الأول ثم إن استأجر الشركاء قاسماً وسموا له أجرة وأطلقوا فتلك الأجرة توزع على قدر الحصص على المذهب وقيل قولان ثانيهما على عدد الرؤوس ويجري الطريقان فيما لو استأجروه استئجاراً فاسداً فقسم أن أجرة المثل كيف توزع وفيما لو أمروا قاسماً فقسم ولم يذكروا أجرة وقلنا تجب أجرة المثل في مثل ذلك وفيما لو أمر القاضي قاسماً فقسم قسم إجبار ولو استأجروا قاسماً وسمى كل واحد أجرة التزمها فله على كل واحد ما التزم هذا إذا أستأجروا جميعاً بأن قالوا استأجرناك لتقسم بيننا كذا بدينار على فلان ودينارين على فلان مثلا أو وكلوا وكيلا عقد لهم كذلك فلو استأجروا في عقود مترتبة فعقد واحد لإفراز نصيبه ثم الثاني كذلك ثم الثالث فقد جوزه القاضي حسين وأنكره الإمام وقال هذا بناء على أنه يجوز استقلال بعض الشركاء باستئجار القاسم لإفراز نصيبه ولا سبيل إليه لأن إفراز نصيبه لا يمكن إلا بالتصرف في نصيب الآخرين تردداً وتقريراً ولا سبيل إليه إلا برضاهم لكن يجوز انفراد أحدهم برضى الباقين فيكون أصلا ووكيلا ولا حاجة إلى عقد الباقين وحينئذ إن فصل ما على كل واحد بالتراضي فذاك وإن أطلق عاد الخلاف في كيفية التوزيع‏.‏

فرع إذا كان أحد الشريكين طفلا نظر إن كان في القسمة غبطة له فعلى الولي طلب القسمة وبدل حصته من الأجرة من مال الطفل وإلا فلا يطلبها وإن طلبها الشريك الآخر وأجيب فإن قلنا الأجرة على الطالب خاصة فذاك وإن قلنا على الجميع فوجهان أحدهما على الطالب لئلا يجحف بالصبي بلا غبطة وأصحهما تؤخذ حصة الصبي من ماله‏.‏

فصل للعين المشتركة حالان الأولى أن يعظم ضرر قسمتها فإن طلبها أحدهما وامتنع الآخر لم يجبر وفي ضبط الضرر المانع ثلاثة أوجه سبقت في باب الشفعة فلا يكسر جوهر نفيس ولا يقطع ثوب رفيع ولا يقسم زوجاً خف ومصراعا باب إن طلبه أحدهما فلو تراضوا بقسمة ذلك وطلبوها من القاضي فإن بطلت المنفعة بالكلية لم يجبهم ويمنعهم أن يقتسموا بأنفسهم لأنه سفه وإن نقصت كسيف يكسر لم يجبهم على الأصح لكن لا يمنعهم أن يقتسموا بأنفسهم وما يبطل القسمة منفعته المقصودة منه كطاحونة وحمام صغيرين إذا امتنع أحدهما لا يجبر الآخر على أصح الأوجه المشار إليها فإن كانا كبيرين وأمكن جعل الطاحونة طاحونتين والحمام حمامين أجبر الممتنع فإن كان يحتاج إلى إحداث بئر أو مستوقد فوجهان أحدهما لا إجبار لتعطل المنفعة إلى الإحداث وأصحهما يجبر ليسر التدارك وإن تضرر أحدهما بالقسمة دون الآخر كدار بين اثنين لأحدهما عشرها وللآخر باقيها ولو قسمت لم يصلح العشر للسكن ويصلح الباقي فإن طلب القسمة صاحب العشر لم يجبر الآخر على الأصح وإن طلبها الآخر أجبر صاحب العشر على الأصح لأن صاحب العشر متعنت في طلبه والآخر معذور‏.‏

وإن كان نصف الدار لواحد ونصفها لخمسة فطلب صاحب النصف إفراز نصيبه أجيب إليه والباقون إن اختاروا القسمة قسم وإن كان العشر لا يصلح للسكن لأن في القسمة فائدة لبعض الشركاء وإن استمروا على الشيوع جاز فلو طلب أحدهم القسمة بعد ذلك لم يجبر الباقون لأن هذه القسمة تضر الجميع ولو طلب الخمسة أولا إفراز النصف ليكون بينهم شائعاً أجيبوا إليه كذا ذكره الروياني وغيره وكذا لو كانت بين عشرة فطلب خمسة القسمة ليكون النصف بينهم يجابون‏.‏

الحالة الثانية أن لا يعظم ضرر القسمة فقد لا ينقسم من غير رد من أحد الشريكين أو الشركاء وقد ينقسم بلا رد باعتبار الأجزاء وتسمى قسمة المتشابهات أو باعتبار القيمة وتسمى قسمة التعديل فهذه ثلاثة أنواع الأول قسمة المتشابهات وإنما تجري في الحبوب والدراهم والأدهان وسائر المثليات وفي الدار المتفقة الأبنية والأرض المتشابهة الأجزاء وما في معناها فتعدل الأنصباء في المكيل بالكيل والموزون بالوزن والأرض المتساوية تجزأ أجزاء متساوية بعدد الأنصباء إن تساوت بأن كانت لثلاثة أثلاثاً فتجعل ثلاثة أجزاء متساوية ثم تؤخذ ثلاث رقاع متساوية ويكتب على كل رقعة اسم شريك أو جزء من الأجزاء ويميز بعضها عن بعض بحد أو جهة أو غيرها وتدرج في بنادق متساوية وزناً وشكلا من طين مجفف أو شمع وتجعل في حجر من لم يحضر الكتابة والإدراج فإن كان صبياً أو أعجمياً كان أولى ثم يؤمر بإخراج رقعة على الجزء الأول إن كتب في الرقاع أسماء الشركاء فمن خرج اسمه أخذه ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يلي الأول فمن خرج اسمه أخذه ويعين الباقي للثالث وإن كتب في الرقاع أسماء الأجزاء أخرجت رقعة باسم زيد ثم أخرى باسم عمرو ويتعين الثالث للثالث ويعين من يبتدئ به من الشركاء والأجزاء منوط بنظر القاسم فيقف أولا على أي طرف شاء ويسمي أي شريك شاء وإن كانت الأنصباء مختلفة بأن كان لزيد نصف ولعمرو ثلث وللثالث سدس جزأ الأرض على أقل السهام وهو السدس فيجعلها ستة أجزاء ثم نص الشافعي رحمه الله أنه يثبت اسم الشركاء في رقاع وتخرج الرقاع على الأجزاء وقال في العتق يكتب على رقعتين رق وعلى رقعتين حرية وتخرج على أسماء العبيد ولم يقل تكتب أسماء العبيد وفيهما طريقان أحدهما فيهما قولان ففي قول يثبت اسم الشركاء والعبيد وفي قول يثبت الأجزاء هنا والرق والحرية هناك والطريق الثاني وهو المذهب وبه قطع الجمهور الفرق ففي العتق يسلك ما شاء من الطريقين وهنا لا يثبت الأجزاء على الرقاع لأنه لو أثبتها وأخرج الرقاع على الأسماء ربما خرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس فيفرق ملك من له النصف أو الثلث وأيضاً قال في المهذب لو فعلنا ذلك ربما خرج السهم الرابع لصاحب النصف فيقول آخذه وسهمين قبله ويقول الآخران بل خذه وسهمين بعده فيفضي إلى النزاع ثم هل هذا الخلاف في الجواز أم الأولوية وجهان أرجحهما الثاني وبه قال الإمام والغزالي وسنوضح إن شاء الله تعالى ما يحصل به الاحتراز عن تفريق الملك وأما ما ذكره في المهذب فيجوز أن يقال لا نبالي بقول الشركاء بل يتبع نظر القاسم كما في الجزء المبدوء به واسم الشريك المبدوء به فإن أثبت أسماء الشركاء فقيل يثبت أسماءهم على ثلاث رقاع ويأمر بإخراج رقعة على الجزء الأول فإن خرج اسم صاحب السدس أخذه وأخرجت رقعة على الجزء الثاني فإن خرج اسم عمرو أخذه مع الجزء الثالث تعينت الثلاثة الباقية لزيد وإن خرج اسم زيد أخذ الثاني والثالث والرابع وتعين الآخران لعمرو فإن خرج اسم زيد أولا أخذ الثلاثة الأولى ثم يخرج رقعة فإن خرج اسم عمرو أخذ الرابع والخامس ويعين السادس لصاحب السدس وإن خرج اسم صاحب السدس أخذ الرابع وتعين الباقيان لعمرو وإن خرج اسم عمرو أولا لم يخف الحكم وقيل تثبت أسماؤهم في ست رقاع اسم زيد في ثلاث وعمرو في اثنتين والثالث في رقعة ويخرج على ما ذكرنا وليس في هذا إلا أن اسم زيد يكون أسرع خروجاً لكن سرعة الخروج لا توجب حيفاً لأن السهام متساوية فالوجه تجويز كل واحد من الطريقين وإن أثبت الأجزاء في الرقاع فلا بد من إثباتها في ست رقاع وحينئذ فالتفريق المحذور لو لزم إنما يلزم إذا خرج أولا اسم صاحب السدس وهو مستغن عنه بأن يبدأ باسم صاحب النصف فإن خرج الأول باسمه فله الأول والثاني والثالث وإن خرج الثاني فكذلك فيعطى معه ما قبله وما بعده وإن خرج الثالث ففي شرح مختصر الجويني أنه يتوقف فيه ويخرج لصاحب الثلث فإن خرج الأول أو الثاني فله الأول والثاني ولصاحب النصف الثالث والرابع والخامس وإن خرج الخامس فله الخامس والسادس ثم أهمل باقي الاحتمالات وكان يجوز أن يقال إذا خرج لصاحب النصف الثالث فهو له مع اللذين قبله وإن خرج الرابع فهو له مع اللذين قبله ويتعين الأول لصاحب السدس وإن خرج الخامس فهو له مع اللذين قبله ويتعين السادس لصاحب السدس وإن خرج السادس فهو له مع اللذين قبله وإذا أخذ زيد حقه ولم يتعين حق الآخرين أخرج رقعة أخرى باسم أحدهما فلا يقع تفريق ويمكن أن يبدأ بصاحب السدس فإن خرج باسم الجزء الأول دفع إليه ثم يخرج باسم أحد الجزئين فلا يقع تفريق وإن خرج له الثالث دفع إليه ويعين الأول والثاني لصاحب الثلث والثلاثة الآخرة لصاحب النصف وإن خرج له الرابع دفع إليه وتعين الأخيران لصاحب الثلث والثلاثة الأولى لصاحب النصف ويمكن أن يبدأ بصاحب الثلث فإن خرج له الأول أو الثاني دفعاً إليه وإن خرج له الخامس أو السادس دفعاً إليه ثم يخرج باسم أحد الآخرين وإن خرج الثالث فله الثالث والثاني ويتعين الأول لصاحب السدس والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف وإن خرج الرابع فله الرابع والخامس وتعين السادس لصاحب السدس والثلاثة الأول لصاحب النصف‏.‏

فرع كيفية إدراج الرقاع وإخراجها على التفصيل المذكور لا يختص بقسمة المتشابهات بل هي في قسمة التعديل إذا عدلت الأجزاء بالقيمة كذلك‏.‏

فرع كما تجوز القسمة بالرقاع المدرجة في البنادق تجوز بالأقلام والعصي والحصى ونحوها‏.‏

فرع إذا امتنع أحد الشركاء من نوع القسمة الذي نحن فيه وهو قسمة المتشابهات أجبر عليها سواء كانت الأنصباء متساوية أم متفاوتة وفي المتفاوتة وجه لابن أبي هريرة أنه لا إجبار والصحيح الأول‏.‏

 فصل إذا قسم قاسم القاضي بالإجبار

ثم ادعى أحد الشريكين غلطاً أو حيفاً نظر إن لم يبين ما يزعم به الحيف أو الغلط لم يلتفت إليه وإن بينه لم يمكن تحليف القاسم كما لا يحلف القاضي أنه لم يظلم والشاهد أنه لم يكذب لكن إن قامت بينة سمعت ونقضت القسمة قال الشيخ أبو حامد وغيره وطريقه أن يحضر قاسمين حاذقين لينظرا ويمسحا ويعرفا الحال ويشهدا وألحق أبو الفرج بقيام البينة ما إذا عرف أنه يستحق ألف ذراع ومسحنا ما أخذه فإذا هو سبعمائة ذراع ولو لم تقم حجة وأراد تحليف الشريك مكن منه فإن نكل وحلف المدعي نقضت القسمة ولو حلف بعض الشركاء ونكل بعضهم فحلف المدعي لنكول بعضهم قال في الوسيط تنقض القسمة في حق الناكلين دون الحالفين ولا يطالب الشريك بإقامة بينة أن القسمة الجارية عادلة لأن الظاهر الصواب وحكى ابن أبي هريرة قولا أن على الشريك البينة بأنها عدلة ولا بينة على مدعي الغلط وقال أبو إسحاق إن قال مدعي الغلط إن القاسم الذي قسم لا يحسن القسمة والمساحة والحساب فالأصل ما يقوله وعلى صاحبه البينة وإن قال سها فعليه البينة والمذهب الأول ولو اعترف القاسم بالغلط أو الحيف فإن صدقه الشركاء انتقضت القسمة وإلا فلا تنتقض وعليه رد الأجرة قال البغوي وهو كما لو قال القاضي غلطت في الحكم أو تعمدت الحيف فإن صدقه المحكوم له استرد المال وإلا فلا وعلى القاضي الغرم أما إذا جرت القسمة بالتراضي بأن نصبا قاسماً أو اقتسما بأنفسهما ثم ادعى أحدهما غلطاً فإن لم يعتبر الرضى بعد خروج القرعة فالحكم كما لو ادعى الغلط في قسمة الإجبار وإن اعتبرناه وتراضيا بعد خروج القرعة فإن قلنا القسمة إفراز فالإفراز لا يتحقق مع التفاوت فتنقض القسمة إن قامت به بينة ويحلف الخصم إن لم تقم وإن قلنا القسمة بيع فوجهان أحدهما الجواب كذلك فإنهما تراضيا لاعتقادهما أنها قسمة عدل وأصحهما أنه لا فائدة لهذه الدعوى ولا أجر للغلط وإن تحقق كما لا أثر للغبن في البيع والشراء وبهذا قطع الجمهور كأنهم اقتصروا على الجواب الأصح‏.‏

 فصل قسمة التركة بين الورثة

إذا قسمت التركة بين الورثة ثم ظهر دين فإن قلنا القسمة إفراز فهي صحيحة ثم تباع الأنصباء في الدين إن لم يوفوه وإن قلنا بيع فقد سبق في كتاب الرهن وجهان في صحة بيع الوارث التركة قبل قضاء الدين وأنه لو تصرف ولا دين في الظاهر ثم ظهر فالأصح صحة التصرف ففي القسمة هذان الوجهان وفإن صححنا البيع فالقسمة الجارية صحيحة فإن وفوا الدين استمرت صحتها وإلا نقضت وبيعت التركة في الدين وإن لم نصححه فالقسمة باطلة ولو جرت قسمة ثم استحق بعض المقسوم نظر إن استحق جزء شائع كالثلث فمطلت القسمة في المستحق وفي الباقي طريقان أصحهما قولان أحدهما يبطل فيه والثاني يصح ويثبت الخيار وبهذا الطريق قال الأكثرون وقال أبو إسحاق يبطل فيه قولا واحداً لأن مقصود القسمة تمييز الحقوق وبالاستحقاق يصير المستحق شريك كل واحد لأن المستحق كان شريكاً وانفراد بعض الشركاء بالقسمة ممتنع وإن استحق شيء معين نظر إن اختص المستحق بنصيب أحدهما أو كان المستحق من نصيب أحدهما أكثر بطلت القسمة وإن كان المستحقان من نصيبهما سواء بقيت القسمة في الباقي على الصحيح وقيل تبطل بمعنى التفريق ولو ظهرت وصية بعد قسمة التركة فإن كانت مرسلة فهو كظهور دين على التركة وإن كانت بجزء شائع أو معين فعلى ما ذكرناه في الاستحقاق ثم ظهور الدين والاستحقاق ودعوى الغلط لا تختص بقسمة المتشابهات بل تعم أنواع القسمة‏.‏

النوع الثاني قسمة التعديل والمشترك الذي تعدل سهامه بالقيمة ينقسم إلى ما يعد شيئاً واحداً وإلى ما يعد شيئين فصاعداً أما الأول فكالأرض تختلف أجزاؤها لاختلافها في قوة الإنبات والقرب من الماء وفي أن بعضها يسقى بالنهر وبعضها بالناضح فيكون ثلثها لجودتها كثلثيها بالقيمة مثلا فيجعل هذا سهما وهذا سهما إن كانت بينهما نصفين وإذا اختلفت الأنصباء كنصف وثلث وسدس جعل ستة أسهم بالقيمة دون المساحة وإذا طلب أحدهما هذه القسمة فهل يجبر الممتنع قولان أظهرهما عند العراقيين وغيرهم نعم إلحاقاً للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء على هذا هل توزع أجرة القاسم بحسب الشركة في الأصل أم بحسب المأخوذ منها وجهان أصحهما الثاني لأن العمل في الكثير أكثر وكما يجري القولان فيما إذا اختلفت الصفات تجري فيما إذا كان الاختلاف لاختلاف الجنس كالبستان الواحد بعضه نخل وبعضه عنب والدار المبني بعضها بالآجر وبعضها بالخشب والطين ويشبه أن يكون الخلاف مخصوصاً بما إذا لم يمكن قسمة الجيد وحده وقسمة الرديء وحده فإن أمكن لم يجبر كما لو كانا شريكين في أرضين تمكن قسمة كل واحدة بالأجزاء لا يجري الإجبار على التعديل‏.‏

القسم الثاني ما يعد شيئين فصاعداً وهو ضربان عقار وغيره أما العقار فإذا اشتركا في دارين أو حانوتين متساويتي القيمة وطلب أحدهما القسمة بأن يجعل لهذا دار ولهذا دار أو حانوت وحانوت لم يجبر الممتنع سواء تجاور الحانوتان والداران أم تباعدا لشدة اختلاف الأغراض باختلاف المحال والأبنية ولو اشتركا في دكاكين صغار متلاصقة لا تحتمل آحادها القسمة ويقال لها العضايد فطلب أحدهما أن يقسم أعياناً فهل يجبر الممتنع وجهان أحدهما كالمتفرقة وكالدور وأصحهما نعم للحاجة وكالخان المشتمل على بيوت ومساكن هكذا صور هذه المسألة الجمهور وهو الصواب وصورها صاحب المهذب فيما إذا احتملت كل واحدة منهما القسمة وحكى وجهين فيما إذا طلب أحدهما قسمتها أعياناً والآخر قسمة كل واحد منها وأما الأقرحة فإن كانت متفرقة فهي كالدور وإن كانت متجاورة ففي الشامل أن أبا إسحاق جعلها كالقراح الواحد المختلف الأجزاء وأن غيره قال إنما يكون كالقراح الواحد إذا اتحد الشرب والطريق فإن تعدد فهو كما لو تفرقت قال وهذا أشبه بكلام الشافعي رحمه الله‏.‏

الضرب الثاني غير العقار إذا اشتركا في عبيد أو دواب أو أشجار أو ثياب ونحوها فلها حالان أحدهما أن يكون من نوع واحد ويمكن التسوية بين الشريكين عدداً وقيمة كعبدين متساويي القيمة بين شريكين وكثلاث دواب أو أثواب متساوية القيمة بين ثلاثة فالمذهب أنه يجبر على قسمتها أعياناً لقلة اختلاف الأغراض فيها بخلاف الدور وقال أبو علي بن خيران وابن أبي هريرة هي كالدور وقيل يخير في العبيد وفي غيرها الخلاف وإن لم تمكن التسوية في العدد كثلاثة أعبد لرجلين بالسوية إلا أن أحدهم يساوي الآخرين في القيمة فإن قلنا بالإجبار عند استواء القيمة فهنا قولان وهما كالقولين في الأرض المختلفة الأجزاء وإن كانت الشركة لا ترفع إلا عن بعض الأعيان كعبدين بين اثنين قيمة أحدهما مائة وقيمة الآخر مائتان فطلب أحدهما القسمة ليختص من خرجت له قرعة الخسيس بالخسيس ويكون له مع ذلك ربع النفيس فإن قلنا لا إجبار في الصورة السابقة فهنا أولى وإلا فوجهان أو قولان الأصح لا إجبار لأن الشركة لا ترتفع بالكلية‏.‏

الحال الثاني أن يكون الأعيان أجناساً كعبد وثوب وحنطة وشعير ودابة ونحوها أو أنواعاً كعبدين تركي وهندي وثوبين إبريسم وكتان فطلب أحدهما أن يقسم أجناساً وأنواعاً لا يجبر الآخر وإنما يقسم كذلك بالتراضي ولو اختلطت الأنواع وتعذر التمييز كتمر جيد ورديء فلا قسمة إلا بالتراضي هذا ما قطع به الجمهور وطرد السرخسي الخلاف في الإجبار عند اختلاف فرع إذا كان بينهما عرصة وثلثها بالمساحة نصف بالقيمة لقربه من الماء فهي قسمة تعديل وفيها الخلاف وقال الغزالي يجبر عليها قطعاً ولا يبالي بهذا التفاوت والمذهب الأول وهو المعروف عن الأصحاب‏.‏

فرع اللبنات إن تساوت قوالبها فقسمتها قسمة المتشابهات فيجبر قطعاً وإن اختلفت قوالبها فقسمة تعديل وفيها الخلاف‏.‏

فرع دار بين اثنين لها علو وسفل طلب أحدهما قسمتها علواً وسفلا أجبر الآخر عند الإمكان وإن طلب أحدهما أن يجعل العلو لواحد والسفل لآخر لا يجبر هكذا أطلقه الأصحاب ويجوز أن يقال إن لم يمكن القسمة سفلا وعلواً جعل السفل لأحدهما والعلو للآخر من جملة قسمة التعديل ولو طلب أحدهما أن يقسم السفل ويترك العلو مشاعاً لم يجبر الآخر لأنهما قد يقتسمان العلو بعده فيقع ما فوق هذا لذاك‏.‏

النوع الثالث قسمة الرد وصورتها أن يكون في أحد جانبي الأرض بئر أو شجر أو في الدار بيت لا يمكن قسمته فيضبط قيمة ما اختص ذلك الجانب به ويقسم الأرض والدار على أن يرد من يأخذ ذلك الجانب بتلك القيمة وهذه لا إجبار عليها قطعاً وكذا لو كان بينهما عبدان قيمة أحدهما مائة والآخر خمسمائة واقتسما على أن يرد آخذ النفيس مائتين ليستويا وقيل في الإجبار قول مخرج حكاه السرخسي وهو غلط ولو تراضيا بقسم الرد جاز أن يتفقا على أن يأخذ أحدهما النفيس ويرد ويجوز أن يحكما القرعة ليرد من خرج له النفيس‏.‏

 فصل قسمة المتشابهات

هل هي بيع أم إفراز حق قولان قال البغوي وآخرون الأظهر كونها بيعاً وقال الغزالي الأظهر كونها إفرازاً قال صاحب العدة وعليه الفتوى وهذا يوافقه جواب الأصحاب في مسائل متفرقة تتفرع على القولين‏.‏

قلت أشار الرافعي في المحرر إلى اختيار الإفراز فإنه قال فيه قولان ذكر أن الفتوى على الإفراز هذا كلامه فالمختار ترجيح الإفراز والله أعلم‏.‏

ثم قيل القولان فيما إذا جرت القسمة إجباراً فإن جرت بالتراضي فبيع قطعاً وقيل القولان في الحالين قال البغوي والأصح الطريق الأول ثم القول بأنها بيع لا يمكن إطلاقه في كل ما حصل لكل منهما بل النصف الذي صار في يده كان نصفه له ونصفه لصاحبه فالقسمة إفراز فيما كان لصاحبه على هذا القول وأما قسمة التعديل فالمذهب أنها بيع وقيل فيه القولان وقسمة الرد بيع كذا قاله الجمهور وقيل بيع فيما يقابل المردود وفيما سواه الخلاف في قسمة التعديل‏.‏

فرع إذا قلنا القسمة بيع فاقتسما ربوياً وجب التقابض في المجلس ولم تجز قسمة المكيل وزناً ولا العكس ولا يجوز قسمة الرطب والعنب وما أثرت فيه النار بتعقيد الأجزاء وإن قلنا إفراز جاز كل ذلك وتجوز قسمة الحص والنورة كيلا ووزناً على القولين ولا تقسم الثمار على رؤوس الشجر خرصاً إن قلنا القسمة بيع كما لا تباع خرصاً وإن قلنا إفراز فإن كانت رطباً وعنباً جاز وإن كان غيرهما فلا لأن الخرص لا يدخل غيرهما وإن كان بينهما أرض مزروعة فأرادا قسمة الأرض وحدها جاز وإن طلبها أحدهما أجبر الآخر ويجيء على قول القسمة بيع وجه مذكور في البيع وإن أرادا قسمة الأرض وما فيها لم يجز إن اشتد الحب أما إن جعلناها إفرازاً فلأنه قسمة مجهول ومعلوم وأما إن جعلناها بيعاً فلأنه بيع طعام وأرض بطعام وأرض وكذا لو كان بذراً بعد وإن كان قصيلا جاز لأنه معلوم مشاهد وإن أرادا قسمة ما فيها وحده فكذا الحكم إن لم ينبت أو اشتد الحب لم يجز وإن كان قصيلا جاز وإن طلب أحدهما قسمة الأرض وما فيها أو قسمة ما فيها وحده وامتنع الآخر والحال حال جواز القسمة بالتراضي قال الشيخ أبو حامد وصاحبا المهذب والتهذيب لا يجبر الممتنع ولم يوجهوه بمقنع‏.‏

فرع اقتسما ثم تقابلا إن قلنا القسمة بيع صحت الإقالة وعاد الشيوع وإلا فهي لاغية‏.‏

فرع قسمة الملك عن الوقف إن قلنا بيع لا يجوز وإن قلنا إفراز جازت قال الروياني وهو الاختيار‏.‏

قلت هذا الذي اختاره الروياني هو المختار وهذا إذا لم يكن فيها رد أو كان رد من أصحاب الوقف فإن كان من صاحب الملك لم يجز لأنه يأخذ بازائه جزءاً من الوقف ذكره صاحب المهذب وغيره والله أعلم‏.‏

وأما قسمة الوقف بين الموقوف عليهم فلا يجوز على القولين لأن فيها تغيير شرط الواقف وقيل يجوز على قول الإفراز ليرغبوا في العمارة ولا يتواكلوا وهذا الوجه حكاه ابن كج عن ابن القطان قع وحده وخصصه بقولنا الملك في الموقوف للموقوف عليه قال فلو انقرض البطن الأول وصار الوقت للبطن الثاني انتقضت القسمة‏.‏

 فصل قسمة الإجبار

لا يعتبر فيها التراضي عند إخراج القرعة ولا بعدها وإذا تراضيا بقاسم يقسم بينهما فهل يشترط الرضى بعد خروج القرعة أم يكفي الرضى الأول قولان أظهرهما الاشتراط وإليه مال المعتبرون وذكروا أنه المنصوص وفي قسمة الرد يشترط الرضى بعد خروج القرعة كما في الابتداء وعن الاصطخري وجه أنه يلزم بخروج القرعة والصحيح الأول وإذا اشترطنا الرضى بعد خروجها فصيغته أن يقولا رضينا بهذه القسمة أو بما أخرجت القرعة أو بما جرى ولا يشترط لفظ البيع وإن قلنا القسمة بيع وقيل إن قلنا بيع اشترط لفظ البيع أو التمليك وقيل لا يكفي قولهما رضينا بهذا أو بما جرى بل يشترط تلفظهما بالقسمة بأن يقولا تقاسمنا أو رضينا بهذه القسمة ليؤدي معنى التمليك والتملك والمذهب الأول وحيث وجب الرضى فلا بد منه في الابتداء وإنما الخلاف في الرضى بعد خروج القرعة‏.‏

 فصل تقسيم المنافع

تقسم المنافع كما تقسم الأعيان وطريق قسمتها المهايأة مياومة أو مشاهرة أو مسانهة فإن كانت العين قابلة للقسمة فلا إجبار على المهايأة بحال وكذا لو طلب أحدهما أن يزرع هذا بعض الأرض وذاك بعضها أو يسكن هذا بعض الدار وذاك بعضها من غير أن يقسم الأرض وامتنع الآخر فلا إجبار فإن لم تكن العين قابلة للقسمة كالقناة والعبد والبهيمة والحمام فإن اتفقا فيها على المهايأة فذاك ثم قد يتفقان على من يبدأ وقيل يتنازعان فيقرع وإن طلبها أحدهما وامتنع الآخر فوجهان أحدهما قاله ابن سريج يجبر الممتنع كما في قسمة الأعيان ولئلا يعطل على شريكه مضارة فعلى هذا يبدأ بالقرعة وأصحهما لا يجبر ولو رضيا بالمهايأة ثم رجع المبتدئ بالانتفاع قبل استيفاء نوبته مكن فإن مضت مدة لمثلها أجرة غرم نصف أجرة المثل وإن رجع بعد استيفاء نوبته فإن قلنا لا إجبار على المهايأة مكن وغرم نصف الأجرة وإن قلنا بالإجبار لم يمكن بل يستوفي الأجرة مدته وإن استوفى الأول نوبته وامتنع الآخر من أن ينتفع ويستوفي نوبته فإن قلنا بالإجبار فهو مضيع حق نفسه ولا أجرة له وإن قلنا لا إجبار فله ذلك وله نصف الأجرة على الأول وكذا لو انهدمت الدار أو مات العبد بعد نوبة الأول فعليه نصف أجرة المثل وإن قلنا لا إجبار وأصرا على النزاع في المهايأة فهل يبيع القاضي العين عليهما قطع للنزاع وجهان أصحهما لا وعلى هذا هل يتركان حتى يصطلحا ولا يؤجر عليهما أم يؤجر وتوزع الأجرة بينهما وجهان أصحهما الثاني وهو الذي ذكره ابن كج والبغوي ولو استأجر اثنان أرض وطلب أحدهما المهايأة وامتنع الآخر فينبغي أن يعود الخلاف في الإجبار وإن أراد قسمتها ففي فتاوى القاضي حسين أنها جائزة على قول ابن سريج ثم إذا اقتسما وحدث بنصيب أحدهما عيب فله الفسخ قال القاضي وينبغي أن يقال لشريكه الفسخ أيضاً ولو طلب أحدهما هذه القسمة وامتنع الآخر حكي في إجباره وجهان‏.‏

فرع إذا جرت المهايأة في عبد مشترك بين مالكين أو فيمن بعضه حر بينه وبين مالك باقيه فالأكساب العامة والمؤن العامة كالنفقة تدخل في المهايأة وفي الأكساب النادرة كما يقبله بهبة أو وصية وفي المؤن النادرة كأجرة الطبيب والحجام خلاف سبق في كتاب اللقطة ومواضع والأظهر دخولها أيضاً وينبغي أن ينظر في الكسوة إلى قدر النوبة حتى تبقى على الاشتراك إن جرت المهايأة مياومة‏.‏

فرع لا تجوز المهايأة في الحيوان اللبون ليحلب هذا يوم وهذا يوم ولا في الشجرة المثمرة ليكون ثمرها قلت طريقها والحالة هذه أن يبيح كل واحد نصيبه لصاحبه مدة والله أعلم‏.‏

 فصل جماعة في أيديهم دار أو أرض طلبوا من القاضي قسمتها

بينهم فإن أقاموا بينة أنها ملكهم أجابهم إلى القسمة وإن لم يقيموها فطريقان أصحهما قولان أحدهما لا يجيبهم فربما كانت في أيديهم بإجارة أو إعارة فإذا قسمها ربما ادعوا ملكها محتجين بقسمة القاضي والثاني يجيبهم لأن اليد تدل على الملك لكن يكتب أنه إنما قسم بينهم بدعواهم لئلا يتمسكوا بقسمته وحكى السرخسي وجه أنه لا يحتاج إلى هذا التقييد والطريق الثاني القطع بالقول الأول وبه قال ابن سلمة وإذا قلنا بالقولين فأظهرهما عند الإمام وابن الصباغ والغزالي الثاني وعند الشيخ أبي حامد وطبقته الأول ويدل عليه أن الشافعي رحمه الله لما ذكر القول الثاني قال ولا يعجبني هذا القول‏.‏

قلت المذهب أنه لا يجيبهم والله أعلم‏.‏

هذا في العقار وأما المنقول فالمذهب أنه كالعقار أيضاً وقيل يقسم قطع بلا بينة لأن العقار يتأبد ضرره فيخص بالاحتياط ولهذا تثبت فيه الشفعة ولو طلب بعضهم القسمة وامتنع الآخرون واتفقوا جميع على الملك فهل يقسم القاضي فيه هذا الخلاف وإذا شرطنا البينة قبل رجل وامرأتان قال ابن كج ولا يقبل شاهد ويمين لأن اليمين إنما تشرع حيث يكون خصم ترد عليه لو حصل نكول وقال ابن أبي هريرة تقبل‏.‏

 فصل في مسائل منثورة

إذا كانت القسمة بالإجبار والقاسم على ولايته فقوله قسمت مقبول كقول الحاكم حكمت وهو في ولايته وإن لم يكن كذلك لم يقبل قوله وهل تسمع شهادته لأحد الشريكين وجهان الأصح المنع والثاني وهو قول الاصطخري تسمع إن لم يطلب أجرة وإذا تقاسما ثم تنازعا في بيت أو قطعة من الأرض فقال كل واحد هذا من نصيبي ولا بينة تحالفا ونقضت القسمة قال الشيخ أبو حامد فإن اختص أحدهما باليد فيما تنازعا فيه فهو المصدق بيمينه وإذا اطلع أحدهما على عيب بنصيبه فله فسخ القسمة‏.‏

فرع الديون المشتركة في ذمم الناس أطلق مطلقون منهم صاحب العدة أنه يمتنع قسمتها وقال السرخسي إن أذن أحد الشريكين للآخر في قبض ما على زيد على أن يختص به فهل يختص إذا قبض قولان أظهرهما المنع وإن تراضيا على أن يكون ما في ذمة زيد لهذا وما في ذمة عمرو لهذا فطريقان أحدهما على هذين القولين والثاني وهو المذهب القطع بالمنع لأن القسمة إن جعلت بيع فهذا بيع دين في ذمة بدين في ذمة أخرى وإن جعلت إفراز فإفراز ما في الذمة ممتنع لعدم قبضه ولا يدخل الإجبار في قسمة الديون بحال والقول في قسمة الجدار وعرضه ما سبق في كتاب الصلح وبالله التوفيق‏.‏